الديباجة

الحمد لله ربِّ العالمين، جَعَلَ مِنَ الـْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، والصَّلاة والسَّلام على النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الأمين.
إنَّ الماءَ أصلُ الحياةِ والنَّماءِ، وسبيلُ إقامةِ الحضارةِ والعِمارةِ، فلا غَرْوَ إِنْ شَدَّدَ القرآنُ الكريمُ على أهمِّيَّتِهِ، وحَضَّتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ على صِيَانتِهِ، ولهَجَ العقلاءُ بضرورةِ البحثِ عن مَواردِهِ، وتَدَارَسَ أهلُ الخبرةِ مَسَالِكَ دَرْءِ استنزافِهِ، واجْتِلابِ رَوَائِهِ. وحيثما شَحَّ الماءُ، وانحبَسَ قَطَرُهُ، فاتَ الأمنُ، وتَقَلْقَلَ الوَضْعُ، وغَشِيَ الأُمَّةَ من غَوَاشِي الفَقْرِ والفَاقةِ ما يَعُوقُ أَبْنَاءَها عن تعميرِ الثُّغُورِ، واستِيفاءِ مُقْتَضَيَاتِ الاسْتِخْلافِ على وَجْهِهَا.
وفي سِيَاقِ هذه الأَهَـمِّيَّةِ الجُلَّى للماءِ، وأَثَرِهِ في الإحياءِ والتَّعميرِ وبناءِ الثُّغُورِ الحَضَاريَّـةِ، حَرِصَتْ الأَمَانَةُ العامَّةُ لِنَدْوَةِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ بجَامِعَةِ الوَصْلِ، في دبي، دَوْلَةِ الإمارات العَرَبِيَّةِ المتَّحِدَةِ، أَنْ تَدُورَ نَدْوَتُهَا العَاشِرةُ على موضوع: (الأَمْنُ المَائِيُّ في السُّنَّةِ النَّبّوِيَّةِ : الاسْتِرَاتِيجِيَّاتُ وَالمقَاصِدُ )، ومَلْحُوظٌ في هذا الاخْتِيَارِ أَمْرَانِ: 
الأوَّلُ: لـَمْحُ البُعْدِ الأَمْنِيِّ لتوافرِ الماءِ، وادِّخارِه لمنافعِ الأُمَّةِ، وأجيالِها القابلةِ؛ إذ الاستقرارُ السِّيَاسِيُّ والاقتصادِيُّ والاجْتِمَاعيُّ دَائِرٌ في فلَكِ اسْتِقْرَارِ هَذَا المصْدَرِ الحَيَوِيِّ، وصَيْرُورَةِ عَطَائِهِ.

والثاني: أنَّ للسُّنَّةِ نَهْجاً لَاحِباً في صَوْنِ هذا المصْدَرِ عَنْ دَوَاعِي التَّلْوِيثِ والاسْتِنْـزَافِ والاحْتِكَارِ، واسْتِثْمَارِهِ في اسْتِيفَاءِ الضَّرُورَاتِ، والحَاجَاتِ، والتَّحْسِينَاتِ، الَّتِي بِهَا قِوَامُ النِّظَامِ والانْتِظَامِ. 
وَمَرَامُ هذه النَّدْوَةِ استِحْثَاثُ الأَقْلَامِ عَلَى تأْصِيلِ النَّهْجِ النَّبَوِيِّ في تَعْزِيزِ الأَمْنِ المَائِيِّ، وَاكْتِشَافُ الاسْتِرَاتِيجِيَّاتِ المتبنَّاةِ في ذلك، واسْتِجْلَاءُ مَقَاصِدِه التَّعْمِيرِيَّةِ وَالبِيئيَّةِ وَالاقْتِصَاديَّةِ، ممَّا يكون له الأثرُ المحقَّقُ في رَسْمِ صُورةٍ للمُجْتَمَعِ المسْلِمِ الآمِنِ في مَغْذَاهُ ومَرْوَاهُ، الـمُعَافَى بِطَاقَاتِهِ ومَوَارِدِهِ. وفي المحاوِرِ المعْقُودَةِ مُسْتَسْعَفٌ للباحثين في اسْتِدْرارِ الأَفْكَارِ والأَنْظَارِ. وَاللهُ الهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.